الشيخ السبحاني

426

مفاهيم القرآن

حلف بالقمر عند اتساقه واكتماله في الليالي الأربع لما فيه من روعة وجمال ، ولذلك يُشبَّه الجميل بالقمر ، مضافاً إلى نوره الهادئ الرقيق الذي يغطّي سطح الأرض . وهو من الرقة واللطافة بمكان لا يكسر ظلمة الليل وفي الوقت نفسه ينير الطرق والصحاري . فهذه أقسام أربعة بينها ترتب خاص ، فان‌ّالشفق أوّل الليل يطلع بعده القمر في حالة البدر ، فهذه الموضوعات الأربع أُمور كونية يقع كلّ بعد الآخر حاكية عن عظمة الخالق . وأمّا المقسم عليه فهو قوله سبحانه : « لَتَرْكَبُنَّ طَبقاً عَنْ طَبَق » وهي إشارة إلى المراحل التي يمرّ بها الإنسان في حياته وأوضحها هي الحياة الدنيوية ثمّ الموت ثم‌ّالحياة البرزخية ثم‌ّالانتقال إلى الآخرة ثمّ الحياة الأُخروية ثمّ الحساب والجزاء . وفي هذه الآية إلماع إلى ما تقدّم في الآية السادسة من هذه السورة ، أعني قوله سبحانه : « يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » . « 1 » والكدح بمعنى السعي والعناء يتضمن معنى السير . فالآية تشير إلى أنّ الحياة البشرية تتزامن مع التعب والعناء ، ولكن الغاية منها هو لقاء اللَّه سبحانه ، وكأنّ هذا الكدح باق إلى حصول الغاية ، أيلقاء جزائه من ثواب وعقاب أو لقاء اللَّه بالشهود . وأمّا وجه الصلة وهو بيان انّ الأشواط التي يمرّ بها الإنسان أُمور مترتبة متعاقبة كما هو الحال في المقسم به أعني الشفق الذي يعقبه الليل الدامس ويليه ظهور القمر .

--> ( 1 ) الانشقاق : 6 .